محمد كرد علي
162
خطط الشام
جديدة أرضى بها قيسا ويمنا ، فإنه لما جاء غوطة دمشق وافاه الحيان من مضر ويمن ، فلقي كل من تلقاه بوجه واحد ، فلما دخل المدينة أمر حاجبه بإحضار وجوه الحيين وأمره بتسمية أشرافهم ، وأن يقدم من كل حي الأفضل فالأفضل منهم ، وأن يأتيه بذلك ، فلما أتاه به أمر بتصيير أعلى الناس من الجانب الأيمن مضريّا ، وعن شماله يمانيا ، ومن دون اليماني مضري ، ومن دون المضري يماني ، حتى لا يلتصق مضري بمضري ، ولا يماني بيماني ، فلما قدم الطعام قال قبل أن يطعم شيئا : إن اللّه عز وجل جعل قريشا موازين بين العرب فجعل مضر عمومتها ، وجعل يمن خؤولتها وافترض عليها حب العمومة والخؤولة ، فليس يتعصب قرشي إلا للجهل بالمفترض عليه . ثم قال : يا معشر مضر كأني بكم وقد قلتم إذا خرجتم لإخوانكم من يمن : قد قدّم أميرنا مضر على يمن ، وكأني بكم يا يمن قد قلتم وكيف قدمكم علينا ، وقد جعل بجانب اليماني مضريا ، وبجانب المضري يمانيا ، فقلتم : يا معشر مضر إن الجانب الأيمن أعلى من الجانب الأيسر ، وقد جعلت الأيمن لمضر والأيسر ليمن ، وهذا دليل على تقدمته إيانا عليكم . ألا إن مجلسك يا رئيس المضرية في غد من الجانب الأيسر ومجلسك يا رئيس اليمانية في غد من الجانب الأيمن . وهذان الجانبان يتناوبان بينكما يكون كل من كان في جهته متحولا عنه في غده إلى الجانب الآخر . فانصرف القوم وكلهم حامد . وهذا من ألطف أساليب السياسة واستمالة القلوب بدون خسارة . فافتخر إبراهيم بن المهدي بقوله : ما أعلم أحدا ولي جند دمشق فسلم من لقب يلقبه به أهل ذلك الجند غيري ، وذلك أن كل ملقب ممن ولي إمرة الشام ، لم يكن إلا ممن ينحرف عنه من اليمانية أو المضرية ، فكان إن مال إلى المضرية لقبته اليمانية ، وإن مال إلى اليمانية لقبته المضرية ، فعاملهم إبراهيم معاملة واحدة في الاجتماع وقضاء المصالح . فكانت الحاجة تعرض لبعض الحيين فيسأل قبل أن يقضيها له ، هل لأحد من الحي الآخر حاجة تشبه حاجة السائل ، فإذا عرفها قضى الحاجتين في وقت واحد . قال : فكنت عند الحيين محمودا لا أستحق عند واحد منهم ذمّا